الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

530

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

هذا فالنبي محمد - صلى اللّه عليه وسلم - نبي الأنبياء ، ولهذا ظهر ذلك في الآخرة جميع الأنبياء تحت لوائه . وفي الدنيا كذلك ليلة الإسراء صلى بهم ، ولو اتفق مجيئه في زمن آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى وجب عليهم وعلى أممهم اتباعه والإيمان به ونصرته ، وبذلك أخذ اللّه الميثاق عليهم ، فنبوته عليهم ورسالته إليهم معنى حاصل لهم في حياتهم ، وإنما أمره يتوقف على اجتماعهم معه ، فتأخر ذلك الأمر راجع إلى وجودهم لا إلى عدم اتصافهم بما يقتضيه . وفرق بين توقف الفعل على قبول المحل وتوقفه على أهلية الفاعل ، فها هنا لا توقف من جهة الفاعل ، ولا من ذات النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - الشريفة ، وإنما هو من جهة وجود العصر المشتمل عليه ، فلو وجد في عصرهم لزمهم اتباعه بلا شك ، ولهذا يأتي عيسى - عليه السّلام - في آخر الزمان على شريعته ، وهو نبي كريم على حاله ، لا كما يظن بعض الناس أنه يأتي واحدا من هذه الأمة ، نعم هو واحد من هذه الأمة لما قلنا من اتباعه للنبي - صلى اللّه عليه وسلم - ، وإنما يحكم بشريعة نبينا - صلى اللّه عليه وسلم - بالقرآن والسنة ، وكل ما فيهما من أمر ونهى ، فهو متعلق به كما يتعلق بسائر الأمة ، وهو نبي كريم على حاله لم ينقص منه شيء . وكذلك لو بعث النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - في زمانه أو في زمان موسى وإبراهيم ونوح وآدم وكانوا مستمرين على نبوتهم ورسالتهم إلى أممهم ، والنبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - نبي عليهم ورسول إلى جميعهم ، فنبوته ورسالته أعم وأشمل وأعظم . وتتفق مع شرائعهم في الأصول ، لأنها لا تختلف ، وتقدم شريعته - صلى اللّه عليه وسلم - فيما عساه يقع الاختلاف فيه من الفروع ، إما على سبيل التخصيص ، وإما على سبيل النسخ ، أو : لا نسخ ولا تخصيص بل تكون شريعة النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - في تلك الأوقات بالنسبة إلى أولئك الأمم ما جاءت به أنبياؤهم ، وفي هذا الوقت بالنسبة إلى هذه الأمة الشريفة ، والأحكام تختلف باختلاف الأشخاص والأوقات ، وبهذا بان لنا معنى حديثين كانا خفيا عنا : أحدهما : قوله - صلى اللّه عليه وسلم - : « بعثت إلى الناس كافة » « 1 » ، كنا نظن أنه من زمانه إلى يوم القيامة ، فبان أنه إلى جميع الناس أولهم وآخرهم .

--> ( 1 ) صحيح : وقد تقدم .